محمد بن جرير الطبري
351
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
أكسبه فهو بيني وبينك ؟ قال : افعل ، فبعث إلى الحاجب : الزم غدا منزلك ، فانى قد وليت ابن أبي مريم الحجابه وبكر ابن أبي مريم ، فوضع له الكرسي ، وأخذ الرشيد دواءه ، وبلغ الخبر بطانته ، فجاء رسول أم جعفر يسال عن أمير المؤمنين وعن دوائه ، فأوصله اليه ، وتعرف حاله وانصرف بالجواب ، وقال للرسول : اعلم السيدة ما فعلت في الاذن لك قبل الناس ، فأعلمها ، فبعثت اليه بمال كثير ، ثم جاء رسول يحيى بن خالد ، ففعل به مثل ذلك ، ثم جاء رسول جعفر والفضل ، ففعل كذلك ، فبعث اليه كل واحد من البرامكه بصله جزيله ، ثم جاء رسول الفضل بن الربيع فرده ولم يأذن له ، وجاءت رسل القواد والعظماء ، فما أحد سهل اذنه الا بعث اليه بصله جزيله ، فما صار العصر حتى صار اليه ستون ألف دينار ، فلما خرج الرشيد من العلة ، ونقى بدنه من الدواء دعاه ، فقال له : ما صنعت في يومك هذا ؟ قال : يا سيدي ، كسبت ستين ألف دينار ، فاستكثرها وقال : واين حاصلى ؟ قال : معزول ، قال : قد سوغناك حاصلنا ، فاهد إلينا عشره آلاف تفاحه ، ففعل ، فكان اربح من تاجره الرشيد وذكر عن إسماعيل بن صبيح ، قال : دخلت على الرشيد ، فإذا جاريه على رأسه ، وفي يدها صحيفة وملعقه في يدها الأخرى ، وهي تلعقه أولا فأولا ، قال : فنظرت إلى شيء ابيض رقيق فلم ادر ما هو ! قال : وعلم انى أحب ان اعرفه ، فقال : يا إسماعيل بن صبيح ، قلت : لبيك يا سيدي ، قال : تدرى ما هذا ؟ قلت : لا ، قال : هذا جشيش الأرز والحنطة وماء نخالة السميد ، وهو نافع للاطراف المعوجة وتشنيج الأعصاب ويصفى البشره ، ويذهب بالكلف ، ويسمن البدن ، ويجلو الأوساخ . قال : فلم تكن لي همه حين انصرفت الا ان دعوت الطباخ ، فقلت : بكر على كل غداه بالجشيش ، قال : وما هو ؟ فوصفت له الصفة التي سمعتها . قال : تضجر من هذا في اليوم الثالث ، فعمله في اليوم الأول فاستطبته ،